محمد الغزالي
28
خلق المسلم
وإنما يسكن ثوراتها عامل لا يقل قوة عنها ، يعيد التوازن على عجل إذا اختل . * * * والخلاصة ، أن الإسلام يحترم الفطرة الخالصة ، ويرى تعاليمه صدى لها . ويحذر الأهواء الجامحة ، ويقيم السدود في وجهها . والعبادات التي أمر بها هي تدعيم للفطرة ، وترويض للهوى ، ولن تبلغ هذه العبادات تمامها وتؤدي رسالتها إلا إذا كانت كلها روافد لتكوين الخلق العالي ، والمسلك المستقيم . الحدود على الجرائم الخلقية الإكراه على الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل ، كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن ؛ فالحرية النفسية والعقلية أساس المسؤولية . والإسلام يقدر هذه الحقيقة ويحترمها ، وهو يبني صرح الأخلاق . ولماذا يلجأ إلى القسر في تعريف الإنسان معنى الخير ، أو توجيه سلوكه إليه ، وهو يحسن الظن بالفطرة الإنسانية ، ويرى أن إزاحة العوائق من أمامها كافية لإيجاد جيل فاضل ؟ . إن فطرة الإنسان خيرة ، وليس معنى هذا أنه ملاك لا يحسن إلا الخير بل معنى هذا أن الخير يتواءم مع طبيعته الأصيلة ، وأنه يؤثر اعتناقه والعمل به كما يؤثر الطير التحليق ، إذا تخلص من قيوده وأثقاله . فالعمل الصحيح في نظر الإسلام هو تحطيم القيود وإزالة الأثقال أولا ، فإذا جثم الإنسان على الأرض بعدئذ ، ولم يستطع سموا ، نظر إليه على أنه مريض ، ثم يسّرت له أسباب الشفاء . ولن يصدر الإسلام حكما بعزل هذا الإنسان عن المجتمع إلا يوم يكون بقاؤه فيه مثار شرّ على الآخرين . في حدود هذه الدائرة يحارب الإسلام الجرائم الخلقية ، فهو يفترض ابتداء أن الإنسان يجب أن يعيش من طريق شريف ، وأن يحيا على ثمرات